بن عيسى باطاهر
146
المقابلة في القرآن الكريم
تقابل تضاد في الأصل والموقف والمآل ، وقد حرص السياق القرآني على التفريق بين هذين الطرازين في الصفات والأفعال والأقوال كل ذلك لكي يصفي النموذج الإيماني ويهيئه إلى الجزاء الأخروى الذي يستحقه وهو الفوز بالجنة وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ خيرات الدنيا والآخرة ، في الدنيا لهم العزّة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم الكلمة العالية ، وفي الآخرة لهم الجزاء والرضوان وأولئك هم المفلحون ، أما الطراز الآخر وهو النفاق فقد وضّح السياق القرآني طبيعة النفاق والمنافقين ، وبيّن الصفات التي يتخلّقون بها ، والمواقف المتخاذلة التي يقفونها حين يحين وقت الشدّة ، كل هذا لبيان أن طبيعة النفاق متكررة في كلّ عصر وزمان ، وأنّها هي سبب الهزيمة والفساد في صفوف الأمة الإسلامية . وبعد الحديث عن بعض القيم التي تفيدها الآيات نخلص إلى أن هذا السياق القرآني يفضل أسلوب المقابلة في عرض هذه القيم والأفكار فقد جاءت المقابلة واضحة صريحة بين نموذجين متباينين ، نموذج النفاق اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ونموذج الإيمان لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وكانت الغاية من عقد هذه المقابلة بيان المعنى في أحسن صوره ، وتمييز الحق من الباطل ، إذ بعرض الشيء وضدّه تتميّز وتتوضّح الأشياء . ب - المقابلة بين الفقر والغنى : الفقر والفقر ضد الغنى « 1 » ، والفقير عند العرب : المحتاج ، قال تعالى : أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ [ فاطر : 15 ] أي المحتاجون إليه . وقد ورد لفظ الفقر في القرآن الكريم في أربعة مواضع أحدها قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 273 ] أي الصدقات لهؤلاء الذين حبسوا أنفسهم على الجهاد .
--> ( 1 ) ابن منظور - لسان العرب مادة ( فقر ) .